أمريكا دخلت اللحظة السوفيتية

عدد المشاهدات 103

أمريكا دخلت اللحظة السوفيتية –

الكاتب : فاضل الربيعي

القليلونَ فقط -من المحلّلينَ والمتابعينَ- مَنْ يتذكّر اليوم، ما حدثَ في الماضي القريب، عندما شَهِدَ العالمُ ما يمكنُ تسميتهُ بـ(اللّحظةِ السّوفيتيّةِ عام 1989-1990) آنذاك كانَ الرئيسُ السّوفياتيّ بوريس يلتسين يترنّحُ من السّكرِ في اللّقاءاتِ الرسميّة، ومعه كانَ الاتّحادُ السّوفياتيّ يترنّحُ دونَ سكرٍ،و كان يلتسن زعيماً كحوليّاً وفاسداً ومُثيراً للسخريةِ، والعالم كلّهُ آنذاك سَخِرَ منهَ ومن بلاده، ومثل عملاقٍ بقدمين من طين، انهارَ الاتّحادُ السوفياتيّ العظيم فجأةً في لحظةٍ ماجنةٍ، حينَ وقعَ انقلابٌ عسكريٌّ انتهى بتفكّكه. ترنّحَ العملاقُ وسقطَ فجأةً وسطَ ذهولِ العالم. اليوم، تبدو الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ، وكأنّها دخلت (اللّحظةَ السّوفيتيّة) ذاتها، فثمّة زعيمٌ يترنح، وبلدٌ عملاقٌ يتصدّعُ بطريقةٍ مفضوحةٍ. ترامب الأمريكيّ من هذا المنظور يُكرّرُ صورةَ يلتسن السّوفياتيّ، ولكنْ بدلاً من أنْ يبدوَ ترامب سكّيراً، سيبدوُ مُهرِّجاً.. ماذا يعني هذا؟ يعني هذا ببساطة، أنَّ العالمَ دخلَ من جديد في حالةِ سيولة سبقَ وأنْ دخلَها مع انهيارِ الاتّحادِ السّوفياتيّ، بيد أنَّ العالمَ مع ذلكَ يُعيدُ تشكيلَ نفسهِ كمادّةٍ صلبةٍ من جديد، لأنّهُ يُغادرُ عصراً ويدخلُ عصراً جديداً. بكلامٍ موازٍ؛ دونالد ترامب الأمريكيّ هو بوريس يلتسن السّوفياتيّ، وهما معاً منْ يصنعا اللّحظة ذاتها. كِلاهما جاءَ للقيامِ بالواجبِ المطلوبِ منه. تفكيكُ البلد القديم ببنائِهِ المُتهالِكِ وجدرانِهِ المُتصدّعة. أحدهما اختارَ شخصيّة (السكّير) والآخر اختارَ شخصيّةَ (المهرّج)، إنّها حفلةُ إعادةِ بناءِ العالمِ من جديد، وعلى القادةِ أنْ يتقنّعوا/ يتنكرّوا في هيئةٍ مُحددّةٍ.

في عام 1987 نشر المستقبليّ الأمريكيّ آليفين توفلر ثلاثةُ كتبٍ هي الأشهرُ بين كتبه (الموجةُ الثالثةُ Third wave، وخرائطُ العالمِ World maps، وتوزيع/ تشظّي السُّلطة Power distribution)، ففي الكتاب الأوّل تنبأَ توفلر بانهيارِ الاتّحادِ السوفياتيّ في غضونِ بضعِ سنوات، وهذا ما تحقّقَ بشكلٍ مُذهل، فبعدَ بضعِ سنواتٍ بالفعلِ من صدورِ الكتابِ سقطَ العملاقُ ذو القدمين الطّينيتّين. في هذا الوقتِ، وحين صدرَ كتاب توفلر، كنتُ أعيشُ مع أُسرتي في بلغراد (يوغسلافيا)، وصادفَ أنّني ومجموعةٌ من الشّبابِ الفلسطينيّينَ قرّرنا القيام برحلةٍ سريعةٍ لرومانيا المجاورة، في بوخارست – رومانيا، تحدثتُ مع الملحقِ الثّقافيّ في السّفارةِ الفلسطينيّة، فقال لي إنّهُ عَلِمَ من أصدقاءَ لهُ في قيادةِ الحزبِ الشّيوعيّ الرومانيّ أنَّ الرئيسَ شاوشيسكو طلبَ ترجمة كتابِ توفلر، ثمّ وزّعَ بنفسِهِ عشر نسخٍ منه فقط على أعضاءِ في المكتبِ السياسيّ للحزبِ الشّيوعيّ الرّومانيّ، وكان شاوشيسكو مرعوباً ممّا يجري في العالم، وأيقنَ أنَّ هذه النبوءةَ ليست مجرّدَ نبوءة.

حينَ عدتُ إلى بلغراد دعوتُ إلى منزلي رفاقاً لي من الحزبِ الشّيوعيّ اليوغسلافيّ، كنّا نسهرُ معاً باستمرار، فجاءَ ثلاثةٌ منهم فقط مع زوجاتِهم، وكنتُ أُلاحظُ أنَّ زوجاتِ رفاقي اليوغسلاف كُنَّ حزيناتٍ وهنَّ يُحدثنَ زوجتي عن (تنظيفِ البنادق). انتبهتُ إلى سياقِ الحديثِ لكنّني لمْ أفهم النقاشَ بدقّةٍ، ولذا بادرتُ إلى طرحِ السّؤالِ الآتي الذي كان يلحُ عليّ: “هل بدأتم حقاً بتنظيفِ (البواريد)؟ هذا يعني أنَّ يوغسلافيا تتّجهُ نحو الحربِ؟”، ثم سألتهم: “والآن قولوا لي ما الذي جاءَ من أجلهِ غورباتشوف اليوم، لقد رأيتُ في التلفزيون أنّهُ جاءَ لزيارةِ الرئيسِ اليوغسلافيّ ميلوسوفيتش، لكنّه غادرَ بعدَ ساعةٍ واحدةٍ فقط، وكان مُتجهِماً وبدا عليهِ الانزعاجُ، ما الذي يحدث؟” فقال لي أحدهم: اسمع يارفيق، جاءَ غورباتشوف اليوم برسالةٍ من الأمريكيّينَ مفادُها الآتي: سيّد سلوبودان ميلوسوفيتش فكّكَ يوغسلافيا بهدوءٍ أو سنأتي لتفكيكِها بالقوّة، وأذكرُ أنّني في اليوم التالي، كنتُ ضمن المتظاهرينَ في شارعِ تيتو -في قلبِ بغراد- حينَ ذهينا إلى البرلمانِ نُحيّي الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش الذي قالَ وهو يُخاطبُنا: سأموتُ دِفعاً عن يوغسلافيا موحّدة، سأقاتلُ إلى النهاية. كان الأمريكيونَ يريدونَ منه تفكيكَ يوغسلافيا إلى (فيدراليّات) وليس تحويلَ يوغسلافيا إلى دولةٍ فيدراليّة؛ أي كانوا يخطّطونَ لتمزيقِها، وكان رسولُهم غورباتشوف هو الدّمية التي تحكّمَ بها السكّير بوريس يلتسن.

في هذهِ اللّحظة، وحين كانَ غورباتشوف يقومُ بتفكيكِ الاتّحادِ السوفياتيّ، تمّ تدبيرُ (الثورةِ الأمريكيّة) ضدّ شاوشيسكو التي انتهت بقتلِهِ بطريقةٍ بَشِعةٍ، وفي يومِ مصرعِ الرئيسِ الشّهيد شاوشيسكو الذي يُوصَفُ ظلماً بالمجرمِ والقاتل –وياللمفارقة- كانت بوخارست تعلنُ رسميّاً أنّها بلدٌ (دون ديونٍ خارجيّة)؛ أي صفر ديون. في هذه اللّحظةِ السوفيتيّة المأسويّة،

اترك تعليق